ابن المقفع
45
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
كان دور ابن المقفع في مستهل عهد الكتابة الفنيّة عند العرب ، والنثر العربي جديد عهد بمستلزمات التمدّن والتفكير الحضاريّ ، ومن يقارن بين لغة الشعر في الجاهلية ، عند امرئ القيس ، والعصر الأموي عند جرير ، والأخطل ، والفرزدق ، وبين لغته في العصر العباسي عند أبي نواس وأبي تمام وابن الرومي والمتنبّي ، يلاحظ إن كنانة اللغة قد امتلأت بالمفردات الجديدة ، وبات يسهل على الشعراء أن يجاروا تطوّر الحياة العقلية ، فيلوّنوا أساليبهم بالكثير من جوانب الثقافة التي شاعت في العصور العباسية بعد أن نقلت العلوم إلى العربية ، وبعد أن راح الكتّاب يضعون في هذه العلوم الكتب والموسوعات الكثيرة ، التي لم يكن من سبيل إلى وضعها لو أن تلك اللغة ظلّت في إطار بداوتها ، صحراوية لا تصلح إلا للتعبير عن مقتضيات البداوة ومظاهر الحياة فيها . وهذا يعني أن تحضّر اللغة العربية ، كان عملا من الأعمال التي تظهر فضل النقلة والناثرين ، في تطويع اللغة ، وإخضاعها لتقبل صيغ التعبير التي تحتاج إليها العلوم المستحدثة ، مع اعتبار أن نجاح عملية التطويع هذه تدل أيضا على مرونة تلك اللغة واستعداداتها الواسعة للنمو والازدهار . كان عبد اللّه بن المقفّع . يواجه هذا الوضع في واقع اللسان العربي ، عندما عمد إلى نقل شيء من التراث الفكري عند الفرس إلى العربيّة ، قبل أن يسلس قيادها له كما سلس للكتاب بعده . فليس من وشك في أنه كان يجد كثيرا من الصعوبة في إيجاد العبارة الملائمة للفكرة التي يحولها من قالب الفارسية إلى قالب العربية ، لأن لكل لغة خصائص وميزات تجعل هذا التحويل شاقا وعسيرا . وبقدر ما يكون الناقل حريصا على دقة النقل ، غير متهاون في أمانة الناقل ، وبمقدار ما يدقّق في اختيار القوالب اللفظية للأثر المنقول ، بقدر ما يظهر في أسلوبه أثر الإجهاد والأعياء ، فلا يأتي أسلوبا دافقا ، ولا يجري على اللسان كغيره من الأساليب التي باتت في مرتبة الأصالة . وهكذا نحسّ في كتابة ابن المقفع شيئا من الغموض ، والالتواء ، والانحراف عن مقاييس اللغة وأصولها ، تنبّه لها النقّاد المحدثون ، وأشاروا إليها ، ومثّلوا لها ، فقال شوقي ضيف « كان ابن المقفع شغوفا بالترجمة الحرفية ، وهو شغف جعل لغته في كتبه تتعثّر في كثير من جوانبها » وقال طه حسين : « وإنما كان ابن المقفع . . مستشرقا كغيره من